محكمة الحسابات تكشف “تسييرًا كارثيًا” لقطاع المحروقات في موريتانياً

خميس, 2025-10-09 20:40

في تقرير محكمة الحسابات لعام 2022-2023، كُشف النقاب عن سلسلة من الإخلالات الجسيمة وملامح فساد في تسيير قطاع المحروقات والطاقة. هذا القطاع الحيوي – المسؤول عن التنقيب والإنتاج والتوزيع في مجالي النفط والكهرباء – يعاني من اختلالات تنظيمية ومالية وإدارية عميقة. ويؤكد التقرير أن غياب الرقابة والمحاسبة أفسح المجال لتجاوزات خطيرة في منح العقود والرخص، والتهاون في اشتراطات السلامة والبيئة، فضلاً عن تفشي تضارب المصالح وسوء التسيير. تعكس هذه الخروقات الموثقة صورة مقلقة لإدارة قطاع استراتيجي، وتثير التساؤلات حول مدى التزام الجهات الوصية (وزارة الطاقة والشركات الوطنية مثل سومير (SOMIR)) بواجباتها في حفظ المال العام وضمان سلامة المنشآت وحماية مصالح المواطنين. 

في هذا التقرير التحليلي نستعرض أبرز ما أوردت محكمة الحسابات بالأدلة والنقد، موضحين كيف أدّى غياب المحاسبة إلى استمرار هذه الاختلالات سنةً بعد أخرى.

خروقات قانونية في منح عقود التنقيب والإنتاج

يكشف تقرير محكمة الحسابات عن تجاوزات صارخة للقوانين المنظمة لمنح العقود في قطاع المحروقات. فقد تم إسناد عقود التنقيب والإنتاج النفطي بطريقة مخالفة للإجراءات القانونية المنصوص عليها. يشير التقرير إلى أن بعض صفقات منح حقول التنقيب وعقود تشغيلها تمت دون احترام لمبدأ المنافسة الشفافة وبعيدًا عن الرقابة القانونية المفترضة. وتمت هذه العقود في غياب تام للتقيد بنصوص قانونية أساسية، منها القانون رقم 2005-024 بتاريخ 14 يوليو 2005المنظم للقطاع النفطي. 

إن عدم الالتزام بهذه الأطر التشريعية فتح الباب أمام الإثراء غير المشروع لبعض الجهات على حساب المصلحة العامة. وقد أكد مدققو المحكمة أن هذه الخروقات القانونية أضعفت الثقة في إدارة الثروات الوطنية، إذ أصبح منح العقود يتم في ظل غياب الشفافية وضعف المساءلة، مما يهيئ بيئة مواتية للفساد والمحسوبية.

ضعف الرقابة على الالتزامات البيئية والمالية

أظهر التقرير أيضًا أن الرقابة الحكومية على التزامات الشركات البيئية والمالية تكاد تكون منعدمة. فعلى الرغم من اشتراط القوانين على الشركات العاملة في مجال المحروقات تنفيذ خطط للحفاظ على البيئة والوفاء بالتزامات مالية (مثل الرسوم والإتاوات لصالح الخزينة العامة)، إلا أن الواقع مغاير تمامًا. 

سجلّت محكمة الحسابات غياب المتابعة الدورية من طرف وزارة الطاقة للتأكد من تنفيذ دراسات الأثر البيئي أو تطبيق خطط السلامة في مواقع الإنتاج والتخزين. كما لم تُفعَّل آليات التحقق من وفاء الشركات بالتزاماتها المالية؛ فبعض الشركات استمرت في العمل دون سداد الرسوم المستحقة أو دون استثمار النسب المفروضة في السلامة البيئية، وكل ذلك دون حسيب أو رقيب. هذا الضعف في الرقابة جعل القطاع مرتعًا للمخالفات: 

فالشركات التي لا تُلزم بمسؤولياتها البيئية قد تتسبب في أضرار بيئية جسيمة دون تحمل كلفة المعالجة، والشركات المتهربة ماليًا تحرم خزينة الدولة من موارد هي بأمسّ الحاجة إليها. ويخلص التقرير إلى أن تقاعس الجهة الوصية عن المتابعة خلق مناخًا يتجرأ فيه المخالفون على الاستمرار، وهو ما يهدد استدامة الموارد الطبيعية ويُفقد الدولة عوائد معتبرة.

 

لم تغفل محكمة الحسابات الجانب البشري في منظومة القطاع، حيث انتقدت قصور تأهيل الكوادر العاملة وضعف التكوين المستمر للموظفين الفنيين والإداريين في قطاع المحروقات والطاقة. يفيد التقرير بأن الكثير من العاملين في الوزارة والمؤسسات المشرفة يفتقرون للتدريب المتخصصوللخبرة اللازمة لمواكبة التطورات الفنية والإدارية في هذا المجال المعقد. لا توجد خطط واضحة لبناء القدرات أو برامج تأهيل دورية تضمن تحديث معارف الموظفين بالقوانين التقنية ومعايير السلامة الحديثة. والنتيجة هي جهاز إداري محدود الكفاءة، ينجر عن ذلك أخطاء في التسيير وعجز عن كشف التجاوزات. على سبيل المثال، يُرجع التقرير جانبًا من ضعف الرقابة المذكور سلفًا إلى هذا النقص في التأطير: فكيف لمسؤول لا يحظى بالتكوين المناسب أن يراقب بشكل فعال أداء شركات نفطية تتوفر على خبرات عالية؟ 

إن غياب الاستثمار في العنصر البشري أفرز ثغرات رقابية وإدارية كبيرة، وجعل الإدارة الوصية تعتمد أحيانًا على تقارير الشركات نفسها أو الخبرات الأجنبية للحكم على أمور يفترض أن كوادرها قادرة على تدقيقها. وبهذا المعنى، يعتبر التقرير أن بناء قدرات الكوادر الوطنية شرطٌ لا غنى عنه لضمان رقابة فعالة وكشف أي فساد أو إخلال في الوقت المناسب.

سوء تسيير الحسابات الخاصة

في الجانب المالي، رصد التقرير سوء تسيير خطير للحسابات الخاصة المرتبطة بقطاع المحروقات. هذه الحسابات، التي من المفترض أن تُستخدم لغايات محددة كتمويل مشاريع الطاقة أو دعم المحروقات، شابها الكثير من الاختلالات. تبين للمحكمة انعدام الشفافية في إدارة بعض الحسابات الخاصة وخروج النفقات منها عن نطاق الأهداف المرسومة لها. بمعنى آخر، استُخدمت أموال تلك الحسابات في بنود صرف غير واضحة أو غير مبررة، وأحيانًا بدون وثائق تثبت أوجه الاستخدام. كما لوحظ تراخٍ في الرقابة الداخلية على هذه الحسابات، حيث لم تُنجز تسويات محاسبية دورية، ما فتح ثغرات استُغلت لسوء التصرف في المال العام. على سبيل المثال، يشير التقرير إلى مبالغ كبيرة صُرفت من حسابات خاصة دونموافقة مسبقة أو متابعة لاحقة، الأمر الذي يثير شبهات حول إمكانية توجيه تلك الأموال لخدمة مصالح ضيقة بدل دعم سياسات الطاقة الوطنية. 

إن ضعف التدقيق والمساءلة في إدارة هذه الصناديق المالية الخاصة أدى عمليًا إلى تبديد موارد مالية كان يمكن أن تسهم في تطوير القطاع أو تخفيف أعباء المواطنين. وتؤكد محكمة الحسابات أن تصحيح هذه الاختلالات يتطلب فرض شفافية مطلقة على حركة هذه الأموال ومراجعة منتظمة لكافة حسابات القطاع الخاصة.

منح رخص لشركات غير مؤهلة قانونيًا وفنيًا

ومن أبرز مظاهر الخلل التي وثقها التقرير منح تراخيص في قطاع المحروقات لشركات تفتقر للأهلية القانونية والفنية. فقد تم رصد حالات حصلت فيها شركات حديثة النشأة أو عديمة الخبرة على رخص للتنقيب أو لتوزيع المنتجات البتروليةدون أن تستوفي الشروط الأساسية المنصوص عليها قانونًا. بعض هذه الشركات لا يتوفر على الملاءة المالية الكافية أو الكفاءات التقنية المطلوبة، ورغم ذلك مُنحت التصاريح للعمل في مجال حساس كالمحروقات. 

يشدد التقرير على أن معايير منح الرخص تم الالتفاف عليها أو تجاهلها، سواء بسبب المحسوبية أو ضعف التدقيق في ملفات المتقدمين. والنتيجة أن دخول شركات غير مؤهلة إلى هذا القطاع أدى إلى تعثر في المشاريع وتأخر في تنفيذ التزامات تلك الشركات، بل وارتفاع مخاطر الحوادث والانقطاعات بسبب نقص الخبرة الفنية. إن منح الرخص كـ”مجاملة” أو في ظل إجراءات فضفاضة لا تراعي القوانين، يقوّض جودة الخدمات ويرسل رسالة سلبية مفادها أن الالتزام بالقواعد ليس ضروريًا للحصول على امتيازات في هذا القطاع. وتبرز محكمة الحسابات أن هذه الممارسات لم تكن لتحدث لولا غياب آلية صارمة للتحقق من أهلية الشركات قبل منحها التراخيص، مما يستدعي مراجعة شاملة لسياسات منح الرخص وإخضاعها لمبدأي الشفافية والاستحقاق.

غياب بوليصات التأمين والضمانات الواجبة

يشير التحقيق أيضًا إلى عدم اشتراط أو توفير بوليصات التأمين والضمانات التي يفترض أن ترافق أنشطة قطاع المحروقات عالية الخطورة. فالقاعدة المتعارف عليها عالميًا أن أي شركة تعمل في مجالات التنقيب أو إنتاج أو نقل المواد البترولية يجب أن تمتلك تأمينات تغطي الأخطار البيئية والحوادث الصناعية المحتملة، بالإضافة إلى تقديم ضمانات مالية لحسن التنفيذ. غير أن ما كشفه التقرير هو أن العديد من تلك الشركات زاولت نشاطها دون أي تأمين معتبر أو بضمانات شكلية لا تكفي لتغطية الأضرار إذا وقعت كارثة بيئية أو حادث جسيم. الأخطر من ذلك، بحسب التقرير، تقصير الجهات الوصية في فرض هذه المتطلبات على الشركات. فلم تطالب الوزارة المشرفة بشكل حازم بوجود بوليصات التأمين قبل بدء العمليات، ولم تتحقق بانتظام من سريانها. النتيجة هي تعريض المال العام والمواطنين لمخاطر كبرى: فحدوث تسرب نفطي أو حريق في منشأة تخزين مثلاً سيضع الدولة أمام تكاليف باهظة للتعويض والمعالجة إذا كانت الشركة المشغلة بلا تأمين. 

ويذهب التقرير إلى أن غياب التأمين والضمانات ليس مجرد خلل إداري، بل نافذة خطر مفتوحة قد يدفع ثمنها الاقتصاد الوطني والبيئة والصحة العامة. لذلك توصي محكمة الحسابات بتصحيح فوري عبر إلزام كل الشركات ببوالص تأمين شاملة وضمانات مالية كافية، واعتبار عدم الالتزام بذلك مخالفة جسيمة تستوجب إيقاف النشاط فورًا.

الإخلال بشروط التخزين والسلامة

ضمن سلسلة التجاوزات، وجدت المحكمة أن شروط التخزين ومعايير السلامة في منشآت المحروقات كثيرًا ما لا يتم احترامها. على الرغم من وجود لوائح فنية صارمة تلزم مشغلي مخازن الوقود ومحطات التوزيع ومواقع الإنتاج النفطي بتطبيق إجراءات سلامة محددة (مثل تجهيزات الإطفاء، أنظمة الإنذار، مراعاة معايير تخزين المواد الخطرة)، إلا أن الواقع يشير إلى تراخٍ خطير. وثّق التقرير حالات منشآت نفطية تفتقر لأبسط تجهيزات السلامة أو تتجاوز الطاقة التخزينية الآمنة، مما يرفع احتمال وقوع حوادث كارثية. كما لوحظ أن عمليات التفتيش الدورية على تلك المواقع إما نادرة أو شكلية، بحيث لا يتم رصد الإخلالات وتصحيحها بالسرعة المطلوبة. فعلى سبيل المثال، أشار المدققون إلى نقص في صيانة صهاريج التخزين في بعض المنشآت، وكذلك غياب خطط طوارئ فعالة للتعامل مع الحرائق أو التسربات. هذه الإخلالات تمثل قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، مهددةً سلامة العمال والسكان القريبين ومحدثةً تلوثًا بيئيًا واسع النطاق. ويشدد التقرير على أن التساهل في تطبيق معايير التخزين والسلامة يعكس فشلاً رقابيًا جسيمًا، حيث لم تُتخذ إجراءات عقابية حازمة بحق المخالفين ولم تجبرهم الوزارة على تصحيح أوضاعهم فورًا. ومرة أخرى، نجد أن غياب المساءلة أدى إلى تمادي المشغلين في خرق شروط السلامة دون خوف من العواقب، مما يضع أرواح الناس والبيئة في خطر داهم.

تضارب المصالح في بعض المحطات

أحد الأبواب المقلقة التي فتحها التقرير هو وجود تضارب مصالح في تسيير بعض المحطات المرتبطة بالقطاع. فقد تبين أن بعض محطات الوقود أو الكهرباء أُسند تسييرها إلى جهات أو شركات تربطها صلات مباشرة أو غير مباشرة بمسؤولين في القطاع أو بذوي نفوذ. هذا يعني أن القرارات المتعلقة بتلك المحطات قد يشوبها تحيز لصالح أفراد معينين على حساب الصالح العام. على سبيل المثال، يلمح التقرير إلى حالات كان فيها مسؤولون مشرفون على تنظيم القطاع هم أنفسهم أصحاب مصالح تجارية في شركات خدمات بترولية أو شركاء في ملكية محطات توزيع. مثل هذا التضارب في المصالح يثير شبهات حول نزاهة القرارات: فكيف يمكن لمسؤول أن يطبق القانون بحياد على محطة هو مستفيد منها؟ بل إن وجود هذه الحالة قد يفسر أيضًا لماذا تغاضت الوزارة عن مخالفات بعض المحطات دون غيرها، إذا كان أصحابها من المحظيين أو ذوي العلاقات النافذة. 

ترى محكمة الحسابات أن تضارب المصالح هذا يقوض مبادئ الحوكمة الرشيدة، إذ يخلط بين المصلحة العامة والخاصة ويفتح بابًا لاستغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية. وأوصى التقرير بوضع ضوابط صارمة لمنع أي مسؤول أو موظف من الجمع بين وظيفة الرقابة أو التسيير في القطاع وأية مصالح تجارية فيه، إضافة إلى الإفصاح الإجباريعن أي تضارب ومنع المتورطين من المشاركة في صنع القرارات ذات الصلة.